المقريزي
78
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فقال له عبادة : هو ذاك ، فاختر لنفسك ما شئت . فقال المقوقس : أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الثلاث خصال ؟ فرفع عبادة يديه إلى السماء فقال : لا ورب هذه السماء ، ورب هذه الأرض ، ورب كل شيء ما لكم عندنا خصلة غيرها ، فاختاروا لأنفسكم . فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه فقال : قد فرغ القوم ، فما ترون ؟ فقالوا : أو يرضى أحد بهذا الذل ! أمّا ما أرادوا من دخولنا في دينهم ، فهذا لا يكون أبدا أن نترك دين المسيح ابن مريم ، وندخل في دين غيره لا نعرفه ، وأمّا ما أرادوا أن يسبونا ويجعلونا عبيدا ، فالموت أيسر من ذلك لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا . فقال المقوقس لعبادة : قد أبى القوم ، فما ترى فراجع صاحبك على أن نعطيكم في مرّتكم هذه ، ما تمنيتم وتنصرفون ، فقال عبادة وأصحابه : لا ، فقال المقوقس عند ذلك : أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث ، فو اللّه ما لكم بهم طاقة ، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كارهين ، فقالوا : وأيّ خصلة تجيبهم إليها ؟ قال : إذا أخبركم ، أمّا دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به ، وأمّا قتالهم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم ، ولن تصبروا صبرهم ، ولا بدّ من الثالثة ، قالوا : فنكون لهم عبيدا أبدا ؟ قال : نعم تكونون عبيدا مسلطين في بلادكم آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم خير لكم من أن تموتوا من آخركم ، وتكونوا عبيدا تباعوا ، وتمزقوا في البلاد مستعبدين أبدا أنتم ، وأهليكم وذراريكم ، قالوا : فالموت أهون علينا ، وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط ، وبالجزيرة وبالقصر من جمع القبط والروم كثير . فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من بالقصر حتى ظفروا بهم ، وأمكن اللّه منهم ، فقتل منهم خلق كثير ، وأسر من أسر وانجرّت السفن كلها إلى الجزيرة ، وصار المسلمون يراقبونهم ، وقد أحدق بهم الماء من كل وجه لا يقدرون على أن ينفذوا نحو الصعيد ، ولا إلى غير ذلك من المدن والقرى ، والمقوقس يقول لأصحابه : ألم أعلمكم « 1 » وأخافه عليكم ! ما تنتظرون ! فو اللّه لتجيبنهم إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرها ، فأطيعوني من قبل أن تندموا ، فلما رأوا منهم ما رأوا ، وقال لهم المقوقس ما قال ، أذعنوا بالجزية ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه . وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص : إني لم أزل حريصا على إجابتكم إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إليّ بها ، فأبى عليّ من حضرني من الروم والقبط ، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم ، وقد عرفوا نصحي لهم ، وحبي صلاحهم ، ورجعوا إلى قولي ، فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت ، أنا في نفر من أصحابي ، وأنت في نفر من
--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة : ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم .